٩ مليارات جنيه في يومين.. هل أخطأ المصريون حين سحبوا أموالهم قبل العيد؟

قراءة فى المشهد :

مرة أخرى، شاهدنا طوابير ماكينات الصراف الآلي إلى الواجهة مع اقتراب عيد الأضحى، بعدما اشتكى مواطنون في مناطق مختلفة من تعطل بعض الماكينات أو نفاد السيولة منها خلال ساعات الذروة، بالتزامن مع صرف المرتبات والمعاشات وزيادة الإنفاق المعتادة قبل العيد.

وفي محاولة لتفسير المشهد، قال محمد الأتربي رئيس اتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، إن حجم السحب من ماكينات البنك الأهلي وحده وصل إلى نحو ٩ مليارات جنيه خلال يومين، مقارنة بالمعدلات الطبيعية التي تتراوح بين ٢ و٤ مليارات جنيه يومياً، موضحًا أن الضغط الكبير جاء نتيجة تزامن عدة عوامل موسمية في وقت واحد.

لكن السؤال الحقيقي ربما لا يتعلق بحجم السحب نفسه، بقدر ما يتعلق بسبب تحوله كل عام تقريبًا إلى أزمة متكررة.

المواطن لم يفعل شيئًا استثنائيًا

اللافت في بعض التعليقات المصاحبة للأزمة أنها بدت وكأنها تحمل المواطن جزءًا من المسؤولية، باعتبار أن “الجميع سحب أمواله في وقت واحد”، أو أن هناك “حالة تخوف دفعت الناس للتكدس أمام الماكينات”.

لكن عمليًا، ما الذي فعله المواطن على وجه التحديد خارج المتوقع؟

كان حجم السحب فى عيد الفطر الماضي مثلا حوالي ٢٦ مليار جنيه خلال اسبوع .. و ذلك من بنك واحد !

و الرقم مصدره رسميا تصريحات البنك الأهلي لوسائل الإعلام في ٢٤ مارس ٢٠٢٦

و ورد فى نصه التالي :

قام البنك الأهلي المصري بتنفيذ أكثر من 8.3 مليون عملية سحب لعملائه بحوالي 26.5 مليار جنيه من خلال ماكينات الصارف الآلي على مدار تسعة أيام، اعتبارا من 15 مارس 2026*

و هذا فى عيد الفطر الماضي

و كل مصري يعرف أن موسم عيد الأضحى يزيد الإنفاق فيه

إذن نحن أمام موسم معروف مسبقًا:

مرتبات ومعاشات سوف تُصرف،

عيد أضحى يقترب

مصاريف أضاحي وصكوك،

ملابس للأطفال،

عيديات،

مستلزمات طعام،

وزيارات عائلية تمتد لأيام،

في وقت تُغلق فيه قطاعات واسعة من المحال والخدمات خلال الإجازة.

أي أن ارتفاع السحب النقدي ليس مفاجأة استثنائية، بل سلوك اقتصادي واجتماعي متوقع يتكرر سنويًا، بل ويمكن حسابه تقريبًا بالأرقام قبل حدوثه.

الأزمة ليست في السحب.. بل في التقدير

حين يعلن مسؤول مصرفي أن السحب قفز من متوسط ٢ إلى ٤ مليارات يوميًا إلى ٩ مليارات خلال يومين، فهذه ليست فقط إشارة إلى الضغط، لكنها أيضًا تكشف أن هناك نمطًا موسميًا واضحًا كان يمكن الاستعداد له بشكل أوسع.

خاصة أن عيد الأضحى تحديدًا يرتبط تاريخيًا بزيادة الاعتماد على النقد “الكاش” أكثر من أي موسم آخر، بسبب طبيعة الأسواق الشعبية، وشراء اللحوم والأضاحي، والتعاملات السريعة خارج المنظومات الإلكترونية.

ومع ارتفاع الأسعار خلال العامين الماضيين، كان من الطبيعي أيضًا أن ترتفع قيمة السحب نفسها حتى لو ظل عدد الساحبين ثابتًا.

فالأسرة التي كانت تحتاج مبلغًا معينًا للعيد قبل سنوات، أصبحت تحتاج أضعافه الآن لتغطية نفس الاحتياجات الأساسية تقريبًا.

لذلك، يبدو السؤال المنطقي:

إذا كانت كل هذه المؤشرات معروفة مسبقًا، فلماذا يتكرر المشهد كل عام بنفس الارتباك؟

هل المشكلة في عدد الماكينات أم في إدارة الضغط؟

البنوك تؤكد أنها اتخذت إجراءات مسبقة، وأن هناك متابعة لحظية لماكينات الصراف وإعادة تغذيتها فور نفاد الأموال، وهي خطوات مهمة بلا شك.

لكن الأزمة الحقيقية ربما لا تتعلق فقط بعدد الماكينات أو سرعة تغذيتها، بل بطريقة إدارة “ساعات الذروة”.

و لا حاجة لإختراع العجلة كي نعرف الحلول

ففي كثير من دول العالم تتعامل البنوك مع المواسم الاستثنائية عبر نماذج توقع

تعتمد على بيانات الأعوام السابقة وتحليل سلوك الإنفاق الموسمي، فتتم زيادة السيولة النقدية قبل المناسبات الكبر

وتوسيع فرق الدعم الفني والتغذية النقدية

بل وأحيانًا إرسال تنبيهات للعملاء لتوزيع أوقات السحب وتقليل الضغط على مناطق بعينها

الفكرة هنا ليست أن الأنظمة هناك لا تتعرض لضغط، بل أن الضغط المتوقع يُعامل باعتباره جزءًا طبيعيًا من الدورة الاقتصادية، لا تصرفًا مفاجئًا من المواطنين.

“الكاش” ما زال يحكم مواسم المصريين

ورغم التوسع الكبير في الدفع الإلكتروني، كشفت الأزمة أيضًا أن الاقتصاد النقدي ما زال حاضرًا بقوة في حياة المصريين، خصوصًا في المواسم والأعياد.

فالثقة في وجود “الكاش” أثناء الإجازات الطويلة ما تزال أعلى من الاعتماد الكامل على البطاقات أو التطبيقات الإلكترونية، سواء بسبب أعطال الشبكات أحيانًا، أو لأن قطاعات واسعة من الأسواق لا تزال تعتمد على الدفع النقدي المباشر.

وهذا يكشف فجوة أعمق:

التحول الرقمي لا يتحقق فقط بإطلاق التطبيقات أو زيادة عدد البطاقات البنكية، بل ببناء ثقة عملية يومية تجعل المواطن مطمئنًا أن احتياجاته لن تتعطل وقت الضغط الحقيقي.

و أنه سوف يجد الوصول لأمواله متاحاً خصوصا في أكثر أوقات الضغط و الحاجة ، لا أن يلام على ذلك بصورة مباشرة أو تلميحا !

بين اللوم والمحاسبة

المشهد في النهاية لا يبدو أزمة “سلوك مواطنين”، بقدر ما يبدو اختبارًا متكررًا لقدرة المؤسسات على توقع الضغط الموسمي والاستعداد له.

فالمواطن الذي يسحب أمواله قبل العيد لا يقوم بعمل استثنائي أو غير منطقي، بل يتصرف وفق احتياجات معيشية واجتماعية معروفة مسبقًا للجميع.

ولهذا، ربما يصبح السؤال الأهم ليس:

“لماذا يسحب الناس أموالهم بكثافة قرب أيام العيد ؟”

بل:

لماذا لا تتحول الأزمات المتكررة إلى دروس تُبنى عليها استعدادات أكثر كفاءة في العام التالي؟

استسهال لوم المواطن لا يؤدي لتطور الدولة بل لتجاهل أسباب المشكلة و بالتالى تكرارها

و أنت :

ماذا كانت مشاكلك كمواطن أثناء التعامل مع ماكينات الصرف أو البنوك أوقات الأعياد ؟

#حزب_الدستور #ماكينات_الصراف_الآلي #عيد_الأضحى #الكاش #السحب_النقدي #المرتبات #المعاشات #مصر #التحول_الرقمي #إدارة_الأزمات