بسم الله الرحمن الرحيم

تابع حزب الدستور الموافقة على مقترح إصدار صكوك ضريبية يمولها دافعو الضرائب، على أن تُخصم قيمتها وعوائدها من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، بدعوى خفض الاحتياجات التمويلية وفاتورة خدمة الدين.

ويؤكد الحزب أن أزمة الدين العام في مصر لا يمكن التعامل معها بمجرد ابتكار أدوات جديدة لإعادة تدوير الالتزامات، وأن اللجوء إلى الإيرادات الضريبية المستقبلية لتمويل احتياجات الدولة الحالية، وبالأخص سداد أو إعادة تمويل الديون القائمة، يستوجب نقاشًا عامًا وشفافية كاملة حول التكلفة الحقيقية لهذا القرار وآثاره على المالية العامة. أولًا: خفض الدين الظاهر لا يعني بالضرورة خفض الدين الحقيقي إن استخدام حصيلة الصكوك في سداد ديون قائمة قد يؤدي إلى تخفيض الاحتياجات التمويلية الحالية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الدولة تخلصت من الالتزام المالي؛ فالدولة تحصل على السيولة الآن مقابل التنازل مستقبلًا عن جزء من إيراداتها الضريبية، فضلًا عن العائد المستحق على الصكوك.
وبذلك قد نكون أمام إعادة ترتيب لشكل الالتزام الحكومي وتوقيته، وليس خفضًا حقيقيًا للدين. فالسؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحكومة بوضوح هو: كم جنيهًا من الإيرادات الضريبية المستقبلية ستتخلى عنه الدولة مقابل كل جنيه تحصل عليه اليوم؟
ثانيًا: ترحيل الأزمة المالية إلى المستقبل يرى الحزب أن الخطر الأكبر يكمن في تحويل جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية إلى مورد تمويلي حاضر. فإذا استخدمت الدولة هذه الأداة بصورة واسعة لسداد الديون الحالية، فإنها تحصل على السيولة اليوم، لكنها في السنوات المقبلة ستجد جزءًا من حصيلتها الضريبية قد سبق استخدامه، وهو ما قد يخلق فجوة جديدة في الموارد ويعيد إنتاج الحاجة إلى الاقتراض. وهكذا قد ندخل في دائرة مفرغة تبدأ بسداد الديون الحالية عبر الصكوك الضريبية، ثم تؤدي إلى تراجع جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية، بما يفاقم العجز ويعيد إنتاج الحاجة إلى الاقتراض من جديد. وهذا لا يمثل علاجًا مستدامًا لأزمة الدين، بل ترحيلًا للأزمة من الحاضر إلى المستقبل.
ثالثًا: الضغط على قدرة الدولة على تمويل خدماتها العامة الإيرادات الضريبية ليست أموالًا بلا وظيفة؛ فهي المصدر الأساسي لتمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والخدمات العامة والاستثمارات الحكومية. ومن ثم فإن الالتزام بخصم أصل الصكوك وعوائدها من الضرائب المستقبلية يعني عمليًا تقييد جزء من الموارد التي ستكون متاحة للموازنات المقبلة. وفي ظل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للمصريين، لا يجوز اتخاذ قرار من هذا النوع دون تحديد سقف واضح لحجم الصكوك، ومددها، وعوائدها، وحجم الإيرادات الضريبية التي سيتم تخصيصها مستقبلًا للوفاء بهذه الالتزامات.
رابعًا: خطر تحول الأداة إلى «دين مقنّع» يحذر حزب الدستور من التعامل مع الصكوك الضريبية باعتبارها وسيلة لخفض الدين دون احتساب الالتزامات التي تنشأ عنها. فإذا كانت الدولة تحصل على أموال من الممولين اليوم، مقابل التزام مستقبلي بإعفائهم من سداد ضرائب تعادل قيمة الصك مضافًا إليها عائده، فإن هذه العملية تحمل خصائص اقتصادية واضحة للتمويل بالدين، وإن اختلف شكلها القانوني والمحاسبي. ولذلك يجب أن تُحتسب هذه الالتزامات ضمن الصورة الكاملة للدين العام والالتزامات الحكومية، وألا يُستخدم انخفاض أرقام الاقتراض التقليدي لتقديم صورة مضللة عن تحسن الوضع المالي للدولة.
خامسًا: خطر الإضرار بالقطاع الخاص كما يحذر الحزب من أن تتحول الصكوك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى وسيلة لامتصاص سيولة الشركات والممولين. فالقطاع الخاص المصري يحتاج إلى توجيه موارده نحو الإنتاج والاستثمار والتوسع وخلق فرص العمل، وليس إلى تمويل عجز الموازنة وسداد الديون الحكومية. ويزداد هذا الخطر إذا أصبحت المشاركة في هذه الصكوك مرتبطة بصورة أو بأخرى بتسوية المنازعات الضريبية أو الحصول على مزايا أو تسهيلات من الإدارة الضريبية.
سادسًا: خطر عدم العدالة بين الممولين يحذر الحزب كذلك من أن تكون الأداة أكثر استفادة للشركات الكبرى والممولين أصحاب الالتزامات الضريبية المرتفعة، بينما لا يستفيد منها أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنفس الدرجة نتيجة اختلال فرص الاستثمار الناتجه عن عدم توافر السيولة المالية اللازمه لصغار المستثمرين حال الزامهم بدفع ضرائب خمس سنوات مستقبلية ومن ثم فإن تطبيق أداة الصكوك الضريبية قد يتحول إلى أداة لمنح مزايا مالية إضافية لكبار الممولين على حساب باقي المجتمع الضريبي.
ويؤكد حزب الدستور أن الحزب ليس ضد تنويع أدوات إدارة الدين العام من حيث المبدأ، ولا ضد استخدام أدوات مالية مبتكرة إذا كانت تؤدي بالفعل إلى خفض تكلفة الاقتراض وإطالة آجال الدين وتقليل مخاطر إعادة التمويل. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة المالية إلى وسيلة لشراء الوقت بدلًا من معالجة أصل الأزمة. إن علاج أزمة الدين المصري لا يكون بتحميل الإيرادات المستقبلية بالتزامات جديدة، وإنما من خلال:
  • خفض العجز الهيكلي في الموازنة.
  • تقليل تكلفة الاقتراض وإعادة هيكلة الديون مرتفعة التكلفة.
  • إطالة آجال الاستحقاق وتقليل الاعتماد على الديون قصيرة الأجل.
  • وقف التوسع في الإنفاق غير المنتج.
  • زيادة الإيرادات من خلال النمو والإنتاج وتوسيع القاعدة الضريبية وليس زيادة العبء على الممولين القائمين.
  • توجيه الاقتراض إلى استثمارات إنتاجية تولد موارد مستقبلية، وليس إلى سداد التزامات سابقة بصورة مستمرة.
  • إخضاع جميع أدوات الدين والالتزامات المستقبلية لرقابة برلمانية ومجتمعية حقيقية.

ويطالب حزب الدستور الحكومة بأن تعلن للرأي العام الحجم المستهدف لإصدارات الصكوك،
وسعر العائد، وآجالها، وحجم الإيرادات الضريبية المستقبلية التي ستُخصم مقابلها،
والتكلفة الإجمالية المتوقعة على الموازنة، قبل التوسع في إصدارها.

فلا يجوز أن يكون الهدف من إدارة الدين هو فقط تخفيض الرقم الظاهر للدين،
بينما تنتقل التكلفة إلى إيرادات وحقوق مالية للأجيال القادمة

الصكوك الضريبية في مصر، الصكوك الضريبية، الدين العام في مصر، أزمة الدين المصري، الديون المصرية، الإيرادات الضريبية، الضرائب في مصر، تمويل الدين العام، خفض الدين العام، إدارة الدين العام، عجز الموازنة المصرية، المالية العامة في مصر، حزب الدستور، موقف حزب الدستور من الصكوك الضريبية، الصكوك الضريبية وتمويل الديون، مخاطر الصكوك الضريبية، تأثير الصكوك الضريبية على الضرائب