في الذكرى العشرين لرحيل أديب نوبل
في الثلاثين من أغسطس عام 2006، رحل عن عالمنا الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ، تاركًا تراثًا أدبيًا وإنسانيًا تجاوز حدود اللغة والجغرافيا، وجعل من الحارة المصرية نافذةً يطل منها العالم على مصر؛ بتاريخها وتحولاتها الاجتماعية والسياسية، وأحلام أبنائها وصراعاتهم.
وإذ تحل الذكرى العشرون لرحيله، فإن حزب الدستور يدعو إلى أن يكون عام 2026 «عام نجيب محفوظ»؛ تقديرًا لقيمة أحد أعظم رموز الثقافة المصرية والعربية، وفرصة لإعادة تقديم أعماله إلى الأجيال الجديدة، والاحتفاء بما مثّله من دفاع عن العقل والحرية والتنوير.
وُلد نجيب محفوظ في حي الجمالية بالقاهرة في 11 ديسمبر 1911، وتخرج في قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول – جامعة القاهرة حاليًا – عام 1934. وقد انعكست دراسته للفلسفة وارتباطه العميق بالقاهرة في مشروعه الأدبي، فجمع بين دقة تصوير الواقع وعمق الأسئلة المتعلقة بالإنسان والحرية والعدالة والمصير.
بدأ محفوظ مشروعه الروائي باستلهام التاريخ المصري القديم في روايات «عبث الأقدار» و«رادوبيس» و«كفاح طيبة»، ثم انتقل إلى تصوير المجتمع المصري وتحولاته، فكتب «القاهرة الجديدة» و«خان الخليلي» و«زقاق المدق» و«بداية ونهاية».
وبلغ مشروعه الواقعي ذروته في «الثلاثية»: «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، التي قدم من خلالها ملحمة اجتماعية وسياسية ترصد تحولات الأسرة والمجتمع المصري منذ ثورة 1919 وحتى منتصف القرن العشرين.
ثم اتجه إلى أشكال أكثر رمزية وفلسفية، فقدم أعمالًا بارزة مثل «أولاد حارتنا»، و«اللص والكلاب»، و«السمان والخريف»، و«الطريق»، و«الشحاذ»، و«ثرثرة فوق النيل»، و«ميرامار»، و«الكرنك»، و«الحرافيش»، و«ملحمة الحرافيش»، و«أفراح القبة»، و«حديث الصباح والمساء».
نجيب محفوظ والسينما والدراما
لم تبقَ أعمال نجيب محفوظ حبيسة الكتب، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرة السينما والدراما المصرية والعربية. وتحولت روايات كثيرة له إلى أفلام ومسلسلات، من أبرزها:
«بداية ونهاية»، و«زقاق المدق»، و«القاهرة 30» المأخوذ عن رواية «القاهرة الجديدة»، و«بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، و«اللص والكلاب»، و«السمان والخريف»، و«الطريق»، و«ثرثرة فوق النيل»، و«ميرامار»، و«الكرنك»، و«الحب فوق هضبة الهرم»، و«أهل القمة»، و«قلب الليل».
كما قدمت الدراما التلفزيونية أعمالًا مهمة مستوحاة من أدبه، مثل «حديث الصباح والمساء»، و«أفراح القبة»، و«الحرافيش»، وغيرها من الأعمال التي أسهمت في وصول أدبه إلى ملايين المشاهدين.
ولم يكن نجيب محفوظ روائيًا فقط؛ فقد كتب عددًا من السيناريوهات السينمائية، وأسهم بفنه وخبرته في إثراء السينما المصرية، كما تولى مسؤوليات ثقافية وسينمائية عدة في مؤسسات الدولة.
مواقفه وآراؤه السياسية
انحاز نجيب محفوظ منذ شبابه إلى قيم ثورة 1919، وتأثر بالتجربة الوفدية وبفكرة الدولة المدنية الدستورية. وكان مؤمنًا بأن الاستقلال لا يكتمل من دون ديمقراطية، وأن الحرية السياسية يجب أن ترتبط بالعدالة الاجتماعية والعلم واحترام العقل.
لم يكن محفوظ خطيبًا سياسيًا أو صاحب شعارات مباشرة؛ لكنه جعل من الرواية مساحة لمساءلة السلطة وكشف الاستبداد والقهر والفساد والتفاوت الطبقي. وانتقد في أعماله غياب الحريات، وتغول الأجهزة الأمنية، وانكسار الإنسان تحت وطأة الخوف، كما ظهر بوضوح في «ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» و«الكرنك» وغيرها.
وكان يؤمن بحق الاختلاف وحرية الفكر والتعبير، ودفع ثمن مواقفه الأدبية والفكرية؛ فتعرضت بعض أعماله للمنع والجدل، كما تعرض عام 1994 لمحاولة اغتيال آثمة تركت آثارًا جسدية قاسية عليه، لكنها لم تنجح في إسكات صوته أو إضعاف إيمانه بالثقافة والحوار.
وفي الوقت نفسه، كانت له مواقف سياسية أثارت خلافًا واسعًا، ومنها تأييده لمسار السلام المصري الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى مقاطعة بعض الأوساط الثقافية العربية لأعماله فترة من الزمن. غير أن قيمة محفوظ تظل في استقلال رأيه، وتمسكه بحق الكاتب في التعبير عن موقفه، وقبول النقاش والاختلاف دون تخوين أو عنف.
نوبل.. من الحارة المصرية إلى العالمية
في عام 1988، حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب، ليصبح أول أديب عربي ينالها. ولم يكن هذا التكريم إنجازًا شخصيًا فحسب، بل كان اعترافًا عالميًا بقيمة الأدب العربي وقدرته على التعبير عن التجربة الإنسانية.
لقد أثبت محفوظ أن الكاتب يستطيع أن ينطلق من حارة صغيرة في الجمالية، وأن يكتب عن الإنسان المصري البسيط، ثم يصل بصوته إلى مختلف شعوب العالم؛ لأن الصدق في التعبير عن الواقع المحلي هو أحد أهم الطرق إلى العالمية.
رسالة حزب الدستور إلى الأدباء والكتاب
في الذكرى العشرين لرحيل نجيب محفوظ، يوجه حزب الدستور التحية إلى الأدباء والكتاب والمبدعين المصريين والعرب، ويؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، وأن حرية الإبداع ليست منحة، بل حق أصيل وأحد أعمدة بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
وندعو الكتاب والأدباء، خاصةً الأجيال الجديدة، إلى الاقتراب من قضايا الناس، وتوثيق تحولات مجتمعاتهم، والدفاع عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وعدم الاستسلام للرقابة أو الخوف أو الإحباط.
كما ندعو مؤسسات الدولة والجامعات والمدارس وقصور الثقافة ووسائل الإعلام ودور النشر إلى إحياء تراث نجيب محفوظ، وتشجيع القراءة، ودعم حركة الترجمة، ورعاية المواهب الشابة، وتحويل عام 2026 إلى مناسبة حقيقية للاحتفاء بالأدب المصري والعربي، لا مجرد احتفال عابر.
إن أفضل تكريم لنجيب محفوظ لا يكون فقط بإطلاق اسمه على شارع أو جائزة، وإنما بحماية حرية الفكر، وإتاحة المعرفة، وإعادة الكتاب إلى حياة الناس، وبناء مجتمع يقرأ ويتحاور ويقبل الاختلاف.
رحم الله أديب نوبل نجيب محفوظ، الذي جعل من الحارة المصرية عالمًا، ومن الإنسان البسيط بطلًا، ومن الأدب ذاكرةً للوطن وضميرًا للمجتمع.
حزب الدستور
30 اغسطس 2026